الشيخ محمد هادي معرفة
31
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
هو كناية عن علمه تعالى الأزليّ الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل وهو المعبّر عنه بالكتاب المكنون وامّ الكتاب أيضا ، وغيرهما من تعابير لا تعني سوى علمه تعالى المكنون الذي لا يطّلع عليه أحد إطلاقا . وبعد فقوله تعالى : « وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 1 » لا يعني أنّ للقرآن وجودا آخر في وعاء « امّ الكتاب » ، وإنّما جاءت هذه الاستفادة الخاطئة من توهّم المكان من قوله : « لَدَيْنا » . بل المقصود : أنّ لهذا القرآن شأنا عظيما عند اللّه في سابق علمه الأزليّ ، والتعبير بامّ الكتاب كان بمناسبة أنّ علمه تعالى هو مصدر الكتاب وأصله المتفرّع منه . وقوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 2 » يعني نفس هذا القرآن الذي بأيدي الناس ، فهو في كتاب مكنون أي قدّر له البقاء في علمه تعالى الأزليّ ، وجاء هذا المعنى - صريحا - بتعبير آخر : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . « 3 » وقوله : « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » يعني : لا يدرك كنه معناه ، ولا يبلغ الاهتداء به على الحقيقة ، إلّا الّذين طهرت نفوسهم عن الزيغ والانحراف « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » . « 4 » وقوله تعالى : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ » أي عظيم شأنه « فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » « 5 » أي قدّر في علمه تعالى أنّه يبقى محفوظا عن كيد الخائنين وتحريف المبطلين ، لا يمسّوه بسوء أبدا . هل يعلم التأويل إلّا اللّه ؟ هنا سؤال ذو جانبين ، أحدهما عام : هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات ، بل وعلى تأويل آي القرآن كلّه ؟ والثاني خاصّ : ماذا يستفاد من الآية « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » « 6 » بالذات ، هل الواو للتشريك أو الاستئناف ؟
--> ( 1 ) - الزخرف 4 : 43 . ( 2 ) - الواقعة 77 : 56 - 79 . ( 3 ) - الحجر 9 : 15 . ( 4 ) - البقرة 2 : 2 . ( 5 ) - البروج 21 : 85 - 22 . ( 6 ) - آلعمران 7 : 3 .